الأولىالرأي

جماعة كتاوة… الدقيق الأسود والعطش المديد

بقلم سليمان الصوصي العلوي  

كتاوة، جماعة قروية من جماعات مدينة زاكورة، هناك حيث النسيان والتهميش والإقصاء عناوين لتاريخ مديد عاشته، ولا تزال،  ساكنة مكلومة بهمومها ومعاناتها. لمجرد أن تطأ قدماك ترابها حتى تتلمس حجم المأساة التي تعيشها المنطقة.مأساة مناخية و جغرافية، عمقت سياسيات الإقصاء أثارها. فإن تواجدت هناك فأعلم أنك ستعيش عوز الحاجات الطبيعية. الطبيعية فقط، فلا ماء وفير وجيد للشرب ولا دقيق لصنع رغيف أسود يسد رمق جياع طبعوا مع الحاجة. هناك حيث يصبح التقشف والزهد القصري عنوانا لكل شيء، فلا يمكنك أن تستحم متى شئت حتى وإن دفعك لهيب الحر لذلك، إذ أن شح المياه التي تزود بها الجماعة ساكنتها تلزمهم بتدبير قاس له، فهم يعلمون أنهم لن يزودوا بالمياه إلا في يوم واحد في الشهر، في أحسن الظروف، فيجدون أنفسهم أمام حتمية التقشف المفرط، حتى لا تنفذ حصتهم قبل متم الشهر، فيضطرون لتخزينه بعيدا عن كل الشروط الصحية، ويستعملونه دون أن يتعبوا أنفسهم في السؤال عن صلاحيته للإستهلاك، المهم عندهم أن يجدوه في متناولهم، وكأننا في صراع من أجل البقاء، أو أنه كذلك. و لا شك أن من سمع أو صادف توصيفا لهذا الوضع سيعتقد أن الجهات المسؤولة تعمل دون انقطاع من أجل وضع حد لهذه المآسي، والحال أنه تم التطبيع مع هذا واعتباره وضعا طبيعيا ومقبولا وكأن من يوجد في هذه المنطقة يحمل خصائص لابشرية. ثم أن شح مبادرات وسياسات تدبير مشاكل المياه لم تفاقم حاجة الساكنة لمياه الشرب فقط، بل امتد العطش إلى الواحة التي من أجلها تواجد الإنسان في هاته المنطقة، حيث جعل العطش النخيل يتهاوي تباعا إلى أن صرنا أمام خراب ينذر بنكبة مناخية وطبيعية قد لا تجد الساكنة بعدها جهدا أو طاقة لمجابهتها، وهو ما يحدث بالفعل، إذ لا تمكت الأسر في هذا الخراب إلا تحت إكراه العوز.
قلنا في البداية أن مشاكل الساكنة ومطالبها تتعلق فقط بالحاجات الطبيعية، والتي أهمها المياه الصالحة للشرب، والألم نفسه يمتد لحاجتهم للدقيق الأبيض الذي صار في وضعهم أسودا، إذ أن الحصة التي يتوصلون بها من الدقيق المدعم، تجعلهم، لقلتها، يدخلون في بحث وصراع حثيث من أجل توفير هذه المادة حتى لا يتجاوز جوعهم مستواياته التي اعتادوها، فتجد مثلا أن القبيلة المكونة من ستين أسرة تستفيد من عشرين كيسا من صنف الدقيق المدعم، أي أن ثلاث أسر تتناوب على حصة واحدة، فلا تستفيد الأسرة من كيس الدقيق الذي يدفعون ثمنه كاملا أو يزيد إلا مرة واحدة كل ثلاثة أشهر، فيما عليها تدبير الباقي من حاجتها من الأسواق الشحيحة من مادة الدقيق، فيضطر الزبون إلى اعتماد علاقاته لكي يحظى بهذا النادر المفقود، والذي يثير حنق الساكنة هو أنهم يقفون عند تفاوت صارخ في حصص التي تحظى بها ساكنة مناطق أخرى، أي أنه يتم تقزيم حصصهم عمدا، الأمر الذي يعزز شعورهم بالتهميش، وهو أمر حاصل فعلا.
والوقوف عند حجم المعاناة التي تعتصر ساكنة هذه المناطق يلغي كل حديث عن برامج تنموية أو مرافق اجتماعية أو طبية، كل ما هنالك هو انحباس الأفق تحت ضغط الحاجة لمقومات الحياة البيولوجية وكأننا أمام مجتمعات تعيش خارج الإنتماء السياسي والمدني، أو أن الجهات والأجزة المسؤولة عن أوضاعهم قد أعفيت من واجباتها اتجاه مواطنيها.
كل هذا اليسير من المشاكل والصعوبات الذي عرضنا له، يدفع من استطاع من الساكنة، للمغادرة بحثا عن موقع آخر يعترف لهم فيه بحقوقهم كمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق