أخبار متنوعة

أرشيفات عبدالواحد الراضي : تــراث وطني


-بقلم : عزيز لعويسي

بدعوة من أرشيف المغرب، كان لنا شرف حضور حفل توقيـع عقد الهبـة المقدمة من قبل أسـرة الراحل “عبدالرحمان اليوسفي” إلى “مؤسسة أرشيف المغرب” و “المؤسسة الوطنية للمتاحف”، وذلك يوم الاثنين 19 يوليوز 2021 بمقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالرباط، بحضـور – فضلا عن السيدة “هيلين اليوسفي” أرملة الراحل – ثلة من الوجـوه والشخصيات السياسية والثقافية والحزبية والحقوقية منها المستشار الملكي “أندري أزولاي”، “عثمان الفردوس”، وزيــر الثقافة و الشباب والرياضة، “محمد بن عبدالقادر”، وزيــر العدل، المنتمي إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، “جامع بيضا”، مدير أرشيف المغرب”، “مهدي قطبي”، رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، “مصطفى الكثيري” المندوب السامي لقدماء المحاربين وأعضاء جيش التحرير، “أمينة بوعياش”، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ورفيقا درب الفقيد عبدالرحمان اليوسفي كل من “مبارك عباس بودرقة” (منفذ الوصية) والمحامي والحقوقي “محمد الصديقي”، إضافـة إلى حضور “ادريس جطو”، الوزير الأول السابق، “ادريس لشكر”، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، “عبد الواحد الراضي”، الكاتب الأول السابق للحزب وقيدوم البرلمانيين المغاربة، “عبدالواحد بنصر”، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثــار والتراث، “عبدالعزيز الإدريسي”، مدير معهد محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، وأطر منتمية لأرشيف المغرب والمؤسسة الوطنية للمتاحف، فضلا عن شخصيات أخرى تنتمي إلى عالم السياسة والثقافة والتاريخ والتراث والفن.

وقبل التوقيع الرسمي على عقد الهبة، تعاقب على الكلمة على التوالي كل من رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومدير المؤسسة الوطنية للمتاحف ومدير أرشيف المغرب، والسيدة “هيلين اليوسفي” أرملة الراحل، ومن باب اهتمامنا بالشـأن الأرشيفي، فقد تابعنا كلمة الأستاذ “جامع بيضا” بما يلزم من الدقة والعناية والاهتمام، وتوقفنا عند الكثير من معانيها ودلالاتها، وهو ينبش في حفريات الراحل “عبدالرحمان اليوسفي” ويثمن قيمة ما تركـه من تراث أرشيفي خادم للثقافة الوطنية وداعم للتاريخ الجماعي والذاكرة المشتركة، وتوقفنا على وجــه التحديد عند ما ورد في خاتمة كلمته المعبــرة، والتي جـاء فيهـا ما يلـي : “إنهـا لحظة تسجل بمداد الفخر والاعتزاز في سجل مؤسسة أرشيف المغرب، ولا يساورنا شك في كون مبادرة المرحوم اليوسفي ستشكل مثالا يقتدى من لدن شخصيات وطنية أخرى تحتفظ بأرشيفات ذات النفع العام. فأرشيفات الخواص بمثابة روافد تغدي نــهـر الذاكرة الجماعية، وبالتالي تاريخ المغرب والمغاربة”.

ما ورد في كلمة الأستاذ “جامع بيضا”، كان رسالة مفتوحة للشخصيات الوطنية في أن تحدو حدو الفقيد “عبدالرحمان اليوسفي”، بأن تأتمـن “أرشيف المغرب” على ما تذخره من نفائس أرشيفية من باب الإسهام الجماعي في حفظ وصون التراث الأرشيفي الوطني، ورسالة مباشرة موجهة بشكل أخص إلى بعض الحاضرين، من أمثال “أندري أزولاي” مستشار جلالة الملك و “عبدالواحد الراضي” أحد الوجوه السياسية والحزبية والبرلمانية البارزة، ونحن على اقتناع تـام – إذا ما حالفنا الحدس والتوقع- أن المقصود من كلمة الحارس على الأرشيف العمومي هو الأستاذ “عبدالواحد الراضي”، لاعتبارين اثنين، أولهما: عمره المتقدم أطال الله في عمـره، وثانيهما: قيمة ما بصمه الرجل من مسـار سياسي وحزبي وجمعوي ونضالي طيلة عقـود من الزمن، الأمر الذي يجعل “تراثـه الأرشيفي” تحت مجهر “أرشيف المغرب” ومديرها الأستاذ “جامع بيضا”.

مسار سياسي وحزبي لازال ممتدا، من الصعب الإحاطة بكافة تفاصيله وجزئياتــه، لكـن هذا لا يمنع من رصد بعض محطاته البــارزة، وفي هذا الصدد، نشيـر إلى أن الأستاذ “عبدالواحد الراضي” المزداد بمدينة سلا سنة 1935، يعـد من مؤسسي الحزب الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حاليا) الذي انتخب عضـوا في مجلسه الوطني عـام 1962 ثم عضوا في لجنتـه الإدارية عام 1967، وانتخب – منذ سنة 1989- عضوا بالمكتب السياسي للاتحـاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ولم يتوقف طموحه الحزبي ونضاله السياسي عند هـذا الحد، بعدما انتخب سنـة 2003 ، نائبــا للكاتب الأول للحزب، ثم كاتبـا أولا خــلال المؤتمـر الوطني الثامـن للحزب المنعقد أيــام 7-8-9 نونبـر 2008 بمدينة الصخيـرات، فضـلا عن ترأسـه لأشغـال المؤتمرين السادس والسابـع للحزب الذين انعقدا على التوالي سنتي 2001 و2005.

وعلى المستوى الجمعوي والمدنـي، فقـد بصم الرجل على مسار مميـز، حيث ساهم بين سنتي 1955 و1956 في تأسيس عدد من الجمعيات والتنظيمات التربوية والثقافية والنقابية من قبيل “حركـة الطفولة الشعبية” و”الجمعية المغربية لتربية الشبيبة” و”الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” والتي تحمل فيها مسـؤوليات قيادية، دون إغفـال مساهمته إلى جانب الراحل المهدي بنبركة” في الإعداد والإشراف على مشروع بناء طريق الوحدة في مطلع الاستقلال، ولم يتوقف الطموح الجمعوي والنضالي لابن مدينة سلا عند حدود الوطن، بل تجاوز ذلك نحو الخارج، عبـر تحمله مسؤولية الكاتب العام “لفدراليـة الاتحـاد الوطني لطلبة المغرب بالديار الفرنسية ” ما بيـن 1958 و1960 لما كــان يتابع دراسته هناك بجامعــة السوربون ، دون إغفـال أنـه كــان من مؤسسي ومسؤولي “كنفدرالية طلبــة شمال إفريقيـا”.

على المستوى المهني والأكاديمي، اشتغل الرجل أستاذا لعلم النفـس الاجتماعي بجامعـة محمد الخامس بالرباط، وتحمل مسؤوليـة الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي ما بين 1968 و1974، بالموازاة مـع ترأسه لشعبـة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفـس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالربــاط، وهي مسؤوليات ومهام مهنية، لم تكن عائقا أمامه، ليبصم على مسار برلماني لافت للنظر منذ سنة 1963، وبهذه الصفة البرلمانية، تقلـد عددا من المسؤوليات، منها “رئاسة لجنــة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري و “مهمة نائب رئيس الفريق الاتحادي بمجلس النواب” (الولاية التشريعية 1963-1964 ) و “رئاسة الفريق الاشتراكي بمجلس النواب” (1977 ) إلى حين تعيينه من قبل جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني وزيــرا للتعاون (1983 )، و تحمل مسؤولية “الأمانة العامة للاتحـاد العربي الإفريقي” (1984 )، وانتخـب “نائبا أولا” لرئيس مجلس النواب (1993) ثم “رئيسـا للمجلس” ( الولايتان التشريعيتان :1997-2002 و2002-2007 ).

مــوازاة مع ذلك، تولى الأستاذ “عبدالواحد الراضي” عدة مسؤوليات على صعيــد المنظمات البرلمانية الجهوية والدوليـة، إذ، تم انتخابه في أكتوبر 1998 “رئيسا مشاركا للمنتدى البرلماني الأورو متوسطي” وأحد المؤسسين البارزين للجمعية البرلمانية الأورو متوسطية التي حلت محل المنتـدى، وقد تولى في إطار هذه الجمعية، مسؤولية “رئاسة مجموعـة العمل حول السلم والأمن في الشرق الأوسط”، كما تولى “رئاسة مجلس الشــورى لاتحاد المغرب العربي” (من شتنبر2001 إلى مارس 2003 ) و “رئاسة اتحـاد مجالس الدول الأعضــاء في منظمة المؤتمـر الإسلامي (2001 – 2004 )، كما انتخب نائبـا لرئيس “اللجنة التنفيذية للاتحـاد البرلماني الدولي” (من أكتوبر 2004 إلى أكتوبر 2007)، ثم رئيسا “للجمعية البرلمانية لحوض البحر الأبيض المتوسط لمدة عامين (11 شتنبر 2006)، وهذا الرصيد البرلماني، دفع منظمة اليونيسكو إلى تصنيف الرجل ” تراثا برلمانيا عالميا” سنـة 2019. دون إغفال ما تحمله من مسؤوليات محلية (رئاسة المجلس الجماعي للقصيبية منذ 1983) وإقليمية (رئاسة المجلس الإقليمي للقنيطرة من 1977 إلى 1992) وجهوية (رئاسة جهـة الغرب – الشراردة – بني حسن” من 1998 إلى 2004 )، وقد عيـنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس وزيـرا للعدل (15 أكتوبر 2007)، وفي التاسع من أبريل 2010، انتخب مجددا رئيسا لمجلس النواب.

مهمات ومسؤوليات متعددة الزوايا من ضمن أخـرى، تضعنا ليس فقط أمام رجل سياسة بـارز، وهامـة حزبية اشتراكية من العيــار الثقيل وذاكـرة سياسية ونضالية وجمعوية حية، تجعل الرجل يرتقي إلى مستـوى رجالات الدولة الكبـار من طينة وحجـم الراحل “عبدالرحمان اليوسفي” رحمه الله، بل وأمام “معلمة برلمانية متحركة” و”تراث أرشيفي” على جانب كبير من الغنى والثــراء، ورجل بهذه المكانة وبهذا المسـار السياسي والبرلماني البـارز الذي يحتاج إدراكه إلى نفس عميق وطموح جـارف وصبر كاسـح، يستحق أن نكرمه وهو على قيد الحياة تنويها واعتزازا بما حققه من منجزات وأرقام قياسية عالمية باعتبـاره شيخ البرلمانيين في العالم، ونــرى في هذا الإطار، أن تكريمه الحقيقي يمـر قطعا عبـر حفظ ذاكرته الخصبة وتراثه الأرشيفي الزاخر من أن تعبث بها أيــادي الزمن.

الأستاذ “عبدالواحد الراضي” لم يكن فقط “شاهد عصر” على مجموعة من الأحداث والمحطات التاريخية التي مر منها مغرب الاستعمار ومغرب الحرية والاستقلال، بل كان أيضا شاهـدا على مراسم التوقيـع على عقد الهبـة المقدمة من أسـرة شريكه ورفيق دربه في النضال السياسي والحزبي الراحل “عبدالرحمان اليوسفي” إلى ” مؤسسة أرشيف المغرب” و “المؤسسة الوطنية للمتاحف”، وإذا كان “سي عبدالرحمان” لم يتـذوق حلاوة هذه اللحظة التاريخية والأرشيفية الخالدة، فبدون شك “سي عبدالواحد” عاش طقوسها عن قرب، واستحضر – عبرها – ما راكمه من تراث أرشيفي طيلـة مسـاره السياسي والنضالي الطويل، اعتبــارا لما تقلـده من مهمات ومسؤوليات متعددة المستويات، وكــان من المفروض أن نوجه إليه رسالة مفتوحة لائـتمـان المؤسسة الوطنية الراعية للأرشيف العمومي على تراثه الأرشيفي، لكـن لن نبادر إلى ذلك، لأن الرجل التقط الرسالة بشكل مباشر، واستوعب بعمق، نبل ورقي ما أقدم عليه رفيق دربه في النضال “سي عبدالرحمان” من التفاتة خالدة للوطن وهو يعيــش آخر أنفاس حياته، وما عليـه الآن، إلا الالتفاتة إلى ما يتحـوز به من نفائــس أرشيفية، واتخـاذ ما يمكن اتخاذه من ترتيبات وتدابيــر من أجل ائتمـان “أرشيف المغرب” على “تراثه الأرشيفي” وهـو على قيـد الحيـاة، حتى يتذوق “الحلاوتين معا” : حلاوة “التوقيع” وحلاوة “التسليم”، وهي الحلاوة التي تعذرت على “سي عبدالرحمان” لكن كانت من نصيب رفيقة دربه وحياته السيدة “هيلين اليوسفي” أطال الله في عمرها.

وإذا ما وجهنا البوصلة نحو أرشيف الأستاذ “عبدالواحد الراضي”، فمن باب تكريم هذا “التراث البرلماني العالمي” كما صنفته اليونسكو، ومن باب تقدير مساره السياسي والحزبي والجمعوي والبرلماني الحافل، وتثمين ما كونه طيلة هذا المسار الطويل من ” نفائس أرشيفية” ذات “نفع عام”، تستحق أن تستقر بجوار رصيد رفيق دربه في النضال “سي عبدالرحمان”، وإذ، ندلي بهذه المعطيات، لايسعنا إلا أن نتمنى لمعلمة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ولشيخ البرلمانيين في العالم، طول العمر ودوامة الصحة والعافية، مع ترك أبواب الرسالة مفتوحة أمام الشخصيات الأخرى التي حضرت مراسم التوقيع والتسليم، ونخص بالذكر “أندري أزولاي” و”ادريس جطو” و”مصطفى الكثيري”، وأمام كل رجالات السياسة والثقافة والإبداع والفنون الذين يحتفظون بأرشيفات “ذات نفــع عام”، عسى أن يحدو الجميع حدو الأستاذ الراحل “عبدالرحمان اليوسفـي” الذي رحل وقد ترك تراثه بين أيـاد أمينة، إسهاما منه في تنمية الثقافة وإثـراء التراث الوطني الذي يعد ملكا مشتركا لكل المغاربة.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق