الأولىالرأي

أزمة الدرس الفلسفي بين التنظير والممارسة

الاستاذ محمد بن حمادة

لا شك أن هيمنة هاجس الكم على مختلف المناهج الدراسية المعتمدة في المدرسة المغربية، يشكل عائقا ابستمولوجيا أمام بناء الكفايات المعرفية و المنهجية التي تتغياها هذه المناهج، الشيء الذي يطرح إشكالات عميقة تتعلق بصعوبة الاختيارات البيداغوجية و الديداكتيكية الملائمة لتصريف البرامج الدراسية، خاصة تلك المتعلقة بعملية النقل الديداكتيكي للمعرفة العالمة. إن طغيان هاجس الكم هو ما يفسر استمرارية الأساليب التقليدية القائمة على ترويض ذاكرة المتعلم كالتلقين والتكرار والحفظ والاستظهار، الشيء الذي يعكس تناقضا صارخا مع روح المقاربة بالكفايات الرامية إلى إرساء دعائم ممارسة تربوية منفتحة تروم تأهيل المتعلم لممارسة التعلم الذاتي، أو التعلم مدى الحياة.
إن معضلة الكم القائم على تلقين المضامين، في مقابل الكيف المرتبط بتمرين الذهن على الاشتغال، تزداد حدة و فداحة عندما يتعلق الأمر بتدريس الفلسفة، نظرا لكونها مادة تحمل في ذاتها صعوبة تدريسها. إن الفلسفة بوصفها نمطا من التفكير العقلاني القائم على ممارسة حرية النقد و مساءلة البديهيات وخلخلة الأحكام الجاهزة، تنفلت من قبضة التحديد الديداكتيكي الصارم، ما يجعل ماهيتها تنفي إمكانية تدريسها وفق ضوابط منهجية يفرضها منطق المؤسسة، وهو ما عبر عنه جاك دريدا بمفارقة الفلسفة و المؤسسة. ذلك أن تكبيل الفلسفة بقواعد مدرسية يناقض جوهرها القائم على حرية التفكير. فكيف السبيل إذن لتدريس هذه المادة وفق ضوابط منهجية دون إلغاء حرية التفكير النقدي لدى المتعلم؟ هل يمكن تدريس تاريخ الأفكار باعتبارها أنساقا عقلية ، أم تعليم التفلسف بوصفه فعالية ذهنية؟ هل ثمة بيداغوجيا صالحة لبناء الدرس الفلسفي دون أن تتعارض مع ماهية الفلسفة نفسها ؟
إذا كانت الفلسفة في جوهرها ليست مادة مدرسية فحسب ، فإن ما يمكن تعليمه داخل الفصل ليس هو الأفكار الفلسفية بل التفكير الفلسفي، أي ممارسة التفلسف باستعمال أدوات عقلية و منهجية، وهو ما عبر عنه إيمانويل كانط بقوله: “لا يمكن أن نتعلم الفلسفة، بل يمكننا أن نتعلم التفلسف”. على هذا الأساس، وجب تدريس الفلسفة عبر تعليم التفكير النقدي القائم على حرية التعبير و المساءلة و النقاش و قبول الاختلاف، ولن يتم ذلك إلا بترسيخ قدرات منهجية تتمثل أساسا، حسب ميشيل طوزي، في الأشكلة والمفهمة والحجاج، حيث يتم إكساب المتعلم مهارات طرح الأسئلة و تجريد المفاهيم و تقديم الحجج المقنعة أو تفنيدها. إنها تقنيات تساهم في تربية ذهن المتعلم على الاشتغال بدل شحنه بمعارف جامدة لا تلبي حاجياته و انتظاراته. لكن هل يمكن ممارسة التفكير دون أفكار؟ أليس تعليم التفلسف في غياب معارف فلسفية ينتج أذهانا فارغة؟
في مقابل الاستراتيجية الكانطية، يقترح هيجل ضرورة تعليم محتوى الفلسفة بهدف سد الفراغات وتصحيح الأوهام و التمثلات الخاطئة التي يطفح بها ذهن المتعلم. فالفلسفة بوصفها مادة تعليمية، يجب أن تدرس من خلال تاريخ أفكارها، من حيث هي تجليات للحقيقة. إذ لا يكفي أن نعلم التلميذ أدوات التفلسف، بل يجب تلقينه المعارف أيضا، الأمر الذي يستدعي استعمال الذاكرة و اعتماد أساليب الحفظ و التلقين. أمام هذا الوضع المفارق نظريا يجد مدرس الفلسفة نفسه في وضع لا يحسد عليه، حيث تضعه الممارسة الفصلية في “حيص بيص” لا يجد معه جوابا شافيا عن أسئلته المقلقة : هل يجب عليه اتباع المنهج الكانطي، أم الهيجيلي، أم هما معا؟ و ما السبيل إلى تجاوز الإكراهات المرتبطة بتنزيل هذه الاختيارات البيداغوجية؟
يبدو أن واقع الدرس الفلسفي اليوم يكشف عن أزمة حقيقية يتحمل عبأها المدرس في المقام الأول، إذ يجد نفسه مطالبا بإنجاز مقررات تعج بكثرة المفاهيم و الإشكالات و الأطروحات الفلسفية المتناثرة داخل مجزوءات لا يجمع شتاتها خيط ناظم، و لا تنطلق من رؤية منهجية واضحة المعالم تسمح ببناء القدرات و الكفايات المرجوة منها. فمثلا، يطالب تلامذة الثانية باكالوريا ضمن المسالك الأدبية بدراسة أربع مجزوءات، تتضمن كل واحدة منها ثلاثة مفاهيم، و ينقسم كل مفهوم إلى ثلاثة محاور أو إشكالات، أي ما مجموعه ستة و ثلاثون إشكالا فلسفيا. زد على ذلك صعوبات الكتابة المرتبطة بمنهجيات الصيغ الثلاثة التي يرد بها الامتحان الإشهادي (النص و القولة و السؤال).
هذا الزخم المعرفي و المنهجي يطرح تحديا بيداغوجيا حقيقيا أمام المدرس على مستوى تخطيط و تدبير و تقويم التعلمات ، إذ يبذل مجهودا مضاعفا للشرح و التبسيط، إيمانا منه بمقولة هنري برغسون : “الفلسفة هي البساطة، لكنها تأتي بعد مجهود شاق” .كما يمثل هذا الركام المعرفي عائقا منهجيا أمام المتعلم، يحبط رغبته في التعلم ، و يربك حساباته بالنظر لهاجس التقويم، إذ يجد صعوبات جمة في حفظها و تذكرها يوم الامتحان، و هو في الوقت نفسه لا يستطيع ممارسة التفلسف، نظرا لمحدودية الغلاف الزمني في مقابل كثرة المعارف. و ما يزيد الطين بلة هو الكيفية التي تصاغ بها مواضيع الاختبارات الموحدة، إذ تفرض على التلميذ استحضار معارف محددة قصد الإجابة عن أسئلة صيغت وفق منطق بضاعتنا ردت إلينا.
إن غياب سياسة تربوية واضحة المعالم ترفع من قدر الفلسفة كمادة تشكل عقل الناشئة، من خلال وظيفة التنشئة الاجتماعية وفق قيم الحرية و المواطنة و استقلالية الفكر، يزيد من تأزم وضع الفلسفة، و يسهم في ترسيخ تلك الصورة النمطية داخل المخيال الاجتماعي، صورة قدحية تنظر إلى التفلسف كترف فكري و لغو لا طائل منه، ناهيك عن شيوع الرأي البائس الذي يربط الفلسفة بالزندقة و الإلحاد و الجنون. هذا الإقصاء الممنهج للدرس الفلسفي و وظيفته التنويرية، و الذي تحكمه غايات سياسية لا يسع المجال للخوض فيها، يكرس قناعة لدى المتعلمين و ذويهم في كونه درسا أدبيا يتصف بالتعقيد و الجمود و البعد عن الواقع، ما يفرض ضرورة حفظ مضامينه قصد استظهارها يوم الامتحان، ثم الإلقاء بها في سلة النسيان.
و في سياق هذ التراجع و الجفاف الذي يعرفه بحر الفلسفة الزاخر، يظهر بين الفينة و الأخرى رهط من الطحالب تقتات على الرداءة، و يجعل منها الإعلام التافه نجوما و مشاهير. فقد بات المشهد التربوي المأزوم يعج بأشباه الأساتذة ممن يدعون امتلاك كرامات أو “معجزات بيداغوجية”، يقدمون من خلالها وصفات جاهزة أو حلولا سحرية تنقذ المتعلمين من الظلال، و تضمن لهم النجاح بأثمنة بخسة. فيملأون الدنيا ضجيجا عبر متنديات و مواقع الأنترنيت، من خلال عرض ملخصات جاهزة تصور الفلاسفة و كأنهم في حلبات المصارعة، هذا يؤيد هذا، و هذا يعارض ذاك. إضافة إلى اقتراح منهجيات يزعمون أنها تساعد على الكتابة الفلسفية ، و هي من روح الفلسفة براء. إنها نماذج لملء الفراغ تقتل الإبداع و تسجن الفكر داخل عبارات سمجة من قبيل “يندرج أو يتأطر النص ضمن…”، إن من يفعل ذلك ، بوعي أو بدونه، يناقض الفكر الفلسفي نفسه، بوصفه فكرا يثور على الجاهز و الثابت ، و يطمح إلى البناء و الاختلاف.
و من مظاهر الأزمة كذلك، ظهور كائنات بشرية تحتجز جيشا من التلاميذ داخل أكشاك تبيع مفاتيح النجاح، يحترفون داخل فضاءاتها مهنة إضافة الساعات مدفوعة الأجر متخذين من الدعم أو المراجعة شعارات فجة لشرعنة أفعالهم. مهنة تمتهن عقول المتعلمين المتحمسين للنجاح و تستخف بقدراتهم، فتجعلهم مجرد ببغاوات تردد ما يلقى عليها، بشكل يكرس مبدأ الطاعة، و كأن الأمر يتعلق بشيخ و مريديه. كما بلغت جرأة بعض المسترزقين بالدرس الفلسفي درجة ابتداع طرق غنائية صاخبة، تعتمد الفلكلور الشعبي في تحفيظ أطروحات الفلاسفة. و لعل أبرز مثال على ذلك شريط الفيديو الذي غزا مواقع التواصل الاجتماعي مخلفا ردود أفعال متباينة، حيث ظهر فيه شاب وصف بأنه “أستاذ” و هو يشنف أسماع تلامذته بأغنية “يعتبر سبينوزا”، وسط أجواء احتفالية صاخبة تعلوها رائحة السطحية و الابتذال. إنها بيداغوجيا البندير”” على حد تعبير الكاتب الصحفي عزيز العويسي، الذي انتقد ،في إحدى مقالاته، هذا العبث البيداغوجي معتبرا أن ذلك يشكل خطرا صامتا يقتل الإبداع و التميز بدم بارد. و ما يحز في النفس أكثر هو أن يخرج “الأستاذ الفنان” في تصريح إعلامي مبررا جهله بكون الفلسفة تقوم على المفهمة. و تعني هذه الكلمة،حسب فهمه العبقري، ضرورة أن يفهم التلاميذ الدرس قبل أن يحفظوه بطريقة الغناء. فلا غرابة إذن أن يطل علينا ،يوما ما،كائن آخر ليصرح ملء فمه أن الأشكلة تفيد شكل نص الأطروحة ليسهل قراءتها و حفظها. و يا للعجب!!
صفوة القول، إن انتشار مظاهر التفاهة و الرداءة في الوسط التعليمي بعامة يشكل ردة تربوية حقيقية، و نكوصا أخلاقيا لا يحمد عقباه. و عليه، يجب على الوزارة الوصية عن القطاع أن تتحمل مسؤوليتها فيما يجري داخل بعض الأكشاك التعليمية، بل و حتى داخل الفصول الرسمية، و ذلك باتخاذ كل الإجراءات اللازمة للحد من هذه الظواهر الشاذة ، التي لا تسيئ إلى المادة أو الأستاذ أو التلميذ فحسب، بل تمس المنظومة التربوية برمتها، و تضرب في العمق الاختيارات البيداغوجية و الغايات الكبرى التي يتوخى المنهاج تحقيقها. فلا مناص من إعادة النظر في كل مكونات هذه المنظومة بنفس إصلاحي جديد، ينتشلها من دوامة التقليد و الرتابة إلى أفق التجديد و الابتكار. و لن يتم ذلك إلا بترسيخ الوعي بأهمية و مكانة الدرس الفلسفي في بناء شخصية مواطن متشبع بالقيم الإيجابية، و تكوين الإنسان القادر على كسب رهانات حاضره و رفع تحديات مستقبله بشكل حر و مسؤول.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق