الأولىمجتمع

هل يمثل التعلم عن بعد خطرا على الرابط الإنساني الذي يربط المعلم بالمتعلم؟

سجلماسةبريس/ السعودي

لم يكن المعلم في الظروف القياسية مجرد أداة للتعلم، بل كان مصدرا تربويا هاما للمتعلم فهل يؤدي التعليم عن بعد إلى خسارة هذه الفرصة التربوية؟
سؤال مهم، وخاصة في ظل الاهتمام العام حاليًا، بالأدوات ووسائل الاتصال عن بعد، والإشكال يأتي بالأساس، أن هذه الخطوة أتت في توقيت كنا نعاني فيه من ضعف في المحتوى التعليمي ونهج التعليم. وقبل معالجة هذه المشكلات الأساسية، اضطررنا للقفز نحو التعليم عن بعد. وبدون أن نشعر انطلقنا إلى التحدث عن التعليم الإلكتروني وليس كيف تحدث عملية التعلم عن بعد وهل يمكن أن يتم نقل الخبرة التعليمية من خلال وسائل التعليم الإلكتروني؟
إذا استطعنا أن نرى الفرق بين السؤالين: ما هي تقنيات التعليم الإلكتروني وأدواته؟ وبين سؤال آخر كيف يمكن أن نصمم خبرة تعليمية حقيقية؟ يمكننا فهم الفجوة التي نبحث عنها، هل يمكن للتعليم عن بعد أن يقوم بالدور التربوي الذي كان يحدث في التعليم المباشر؟
من وجهة نظري لا يمكن الاعتماد كلية على التعليم عن بعد، وخاصة إذا كنا نتحدث عن تربية وتعليم، أي تعليم بالمعايشة والملاحظة والتجربة والتفاعل بين المتعلمين والمعلمين، وهي من الأمور التي قد تغيب على التعليم عن بعد.وقد يقول قائل أن التعليم الإلكتروني قد يوفر هذه المعايشة والملاحظة، ولكن هنا علينا أن نميز بين مصادر التعلم المفتوحة التي قد توفر مواد وموارد تعليمية كالمحاضرات، والموضوعات المقروءة وبعض التمارين التي قد تختبر ما تحصل عليه المتعلم من معلومات، وبين أن يكون هناك تصميم لمادة تعليمية إلكترونية عن بعد تستطيع أن تنقل خبرة تعليمية للمتعلم، ويتمكن من خلالها من نقل ما تعلمه إلى واقعه. وهناك بالطبع نماذج نجحت في ذلك قدمتها بعض الجامعات على هيئة برامج تم تصميمها بشكل ينقل خبرة بشكل جيد. ولكن ومع ذلك أظن أن هناك شيء سيظل مفقود، وخاصة في مرحلة الطفولة المبكرة، والتعليم الأساسي أو المرحلة التي يكتسب فيها الطفل الكثير من المهارات والمعارف من خلال المعايشة والملاحظة،
لذا أظن أنه سيكون من الأفضل الاعتماد على التعليم المدمج، والذي يعتمد على التعليم الإلكتروني من حيث الاستفادة من التكنولوجيا، والوسائط المتعددة والVR ومصادر وموارد التعليم التكولنوجية المختلفة، وفي ذات الوقت، الاهتمام أكثر بتصميم الخبرات التعليمية التي تحقق عملية التعلم وتكسب المتعلم خبرة ومعرفة.أو يكون للأم أو الأسرة دور في بنا بيئة تعلم اجتماعية من خلال الأقران وأفراد الأسرة جنبا إلى جنب مع برامج التعليم عن بعد.
ثم عودة إلى مسألة الرابط الإنساني الذي يربط المعلم بالمتعلم، دعينا نتفق أنه كلما تطور الإنسان ويسر على نفسه أمور حياته، فقد شيئَا ما في الطريق، بالطبع هناك فارق كبير بين معلم مربي يجالس ويحاور طلابه، ويتعايش معهم، يتعلم من أخطائهم ويتعلمون منه وبين علاقة عن بعد لا يرون فيها سوى صوتًا وصورة، مع بعض التفاعل الذي نظن أنه قد يفي بالغرض.لطالما أرى أن الإنسان سمي إنسانا لأنه بحاجة إلى إلى أنيس، في حياته وعلاقاته، وفي عمله، وفي دراسته.. نحن كائنات اجتماعية، بغض النظر عن الفروقات التي تجعل بعضنا انطوائيا، لكن في النهاية لا يمكن أن تتحول حياتنا كلها إلى تواصل مع آلة يقف خلفها إنسان. سيكون على المهتمين بهذا الأمر أن يتمسكوا ببعض الفرص التي تبقي هذه المساحة الإنسانية في حياتهم، وهنا نتحدث عن الشأن التربوي، أو المعلم المربي تحديدا، كيف يمكن تصميم خبرات تعليمية حقيقية ذات أثر على المتعلم، من خلال وسائل وتقنيات التعليم عن بعد، وكيف يستفيد ببعض الفرص كي يبقي التواصل الإنساني المباشر بينه وبين المتعلم؟
أعتقد أن كلنا يفهم دور المعلم على مستويين، مستوى التعليم ومستوى التربية. أما التعليم فهو نقل للمعارف والمهارات وهو مفهوم ويمكن تقديره بل وقياسه غالبا. ولكن التربية تظل شيئا يصعب قياسه، وما يصعب قياسه يصعب التحكم فيه وبالتالي يصعب إيجاد صور موازية له.
لذلك أنا لا أرى التربية معبرة فقط عن الشعور الإنساني المتبادل ولكن معبرة كذلك عن نوع من المعرفة غير المقصود نقلها، وإن كان لا إراديا بهذا الشكل فغالبا ما يكون متلبسا به المعلم شاء أم أبى. إنها ثقافة المعلم في ظني، ثقافته بما تتضمن من رؤيته للعالم، رؤيته للقيم، مسالك التفكير وخلافه. وهذا معنى مختلف عن المعاني الوجدانية من شعور بالحب والاحترام والاقتداء وخلافه.
لذلك في ظني أننا إن كنا مهتمين بنقل التجربة شبه كاملة للتعليم عن بعد، فهذه الثقافة تحتاج كذلك للنقل، وهذا لن يكون إلا إذا اتسع وقت التواصل ليسمح بوجود مساحة أخرى من النقاش المفتوح والدعابة فلا يقتصر الأمر على نقل العلم المنهجي ولكن يتسع لغير ذلك، وإن كان أيضا غير كافٍ، فمصاحبة المعلم شئ اجتمعت عليه كل الثقافات كما قال الشافعي في بيته الشهير ” وصحبة أستاذ وطول زمان”.
أما الجانب الشعوري فسيظل هو الأكثر تأثرا،في كل تحد توجد فرصة، فبالتأكيد يظل التفاعل والتواصل المباشر أهم وأكثر الأساليب فاعلية في التأثير والاقتداء, والتواصل الالكتروني لا يحل محل التواصل الحي إلا بنسبة وقدر (وهو أمر أشارت له الكثير من الأبحاث بالمناسبة) وخصوصا إذا وضعنا في الاعتبار الكم الهائل المطلوب من أبنائنا قضاؤه أمام شاشات الحصص الإلكترونية.ولكن بنقلنا بيئة التعلم إلى بيئة أكثر نظاما وأقل اختلاطا فهناك أيضا فرصة لإعادة تعريف دور المعلم وآليات تفاعله, هناك فرصة لتجربة أفكار مثل الفصل المقلوب, التعلم باللعب وغيرها. هناك فرصة – وهذا هو الأهم في رأيي- لنزع الجانب الممل والمتكرر من أفعال المدرس والسماح له بالتركيز أكثر في طبيعة دوره كميسر للتعليم, فهنا يتاح المجال للمعلم الحريص أن يبني جسورا للتواصل مع تلاميذه. ولعل أكبر مانع أمام هذه في ظني هو قلة التدريب المهني على هذا الدور وإهماله في كثير من الأحيان, فغالب تدريب المعلمين يرتكز حول كيفية إدارة الفصل العادي, ولعل المستقبل القريب يحمل لنا المزيد من الأبحاث والدراسات عن كيفية تحسين وتطوير الأداء الإلكتروني بحيث يستفيد المعلم من إمكانات التكنولوجيا ويعيد ترتيب أفعاله وأولوياته في أثناء الدرس. الفرصة موجودة لمن يملك المرونة الفكرية والبصيرة حاليا ومستقبلا ستتاح حتى للمدرس المتوسط حين يتم تحويل ذلك إلى جزء من تدريبه المهني.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق