الأولىالرأي

الـركـود الاقتصادي الـعـالـمـي

بقلم: عمر دغوغي الإدريسي

من يتتبع أخبار الاقتصاد الدولي اليوم، سيلاحظ إجماع المراقبين على أن العالم مشرف على أزمة اقتصادية ومالية اعنف من أزمة 2008التي دامت إلى غاية 2014.

 فما هي أبرز مؤشرات هذا الركود القادم؟ وما هي دلالاته دوليا ومحليا؟ ومعلوم أنه بالموازاة مع كل انفجار للأزمات الاقتصادية الدورية لنمط الإنتاج الرأسمالي، تشحذ الطبقة الرأسمالية سكاكينها، لكي تنقل كامل آثار الأزمة على كاهل الطبقة العاملة، فتتفاقم نتيجة لذلك البطالة والبؤس وضعف الأجور وتفكيك الخدمات العمومية، فما هي أبرز المحطات المقبلة لهذا الهجوم البرجوازي على الطبقة العاملة؟ وما مدى قدرة البروليتاريا على تحمل وحشية هذا الهجوم؟ ثم أخيرا هناك علاقة ديالكتيكية بين الأزمة التي تلوح في الأفق وواقع الهجوم البرجوازي الملموس على شروط عيش البروليتاريا فكيف تحدث سيرورة الوعي الطبقي وسط هذه الأخيرة وتنتقل بالتالي من طبقة بحد ذاتها إلى طبقة من أجل ذاتها؟

وتبدو حالة تباطؤ الاقتصاديات الرأسمالية واضحة، فقد انتقلت نسبة النمو العالمي من 3,8 % سنة 2017 إلى 3,3 % سنة 2019. وتؤكد تقارير صندوق النقد الدولي استمرار هذا التدهور وازدياده سوءا سنة 2020.

 وقد أشارت هذه التقارير إلى تعمق أزمات نمو مجموعات رأسمالية دولية مختلفة مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة الأورو.


ففي سنة 2019، تراجع 70 في المائة من الاقتصاد العالمي خاصة في بلدان متقدمة مثل ألمانيا وبريطانيا.

 كما تعاني بعض البلدان الرأسمالية الصاعدة منذ 2014 من ركود فعلي متدرج خاصة في البرازيل والأرجنتين وتركيا.

 كما عرف نمو الاقتصاد الصيني تراجعا منذ عام 2017 بلغ 6,2 % سنة 2019، وهي نسبة لم تشهدها الصين منذ ثلاثين سنة الماضية.


في منطقة الأورو، تبدو ألمانيا الأكثر تأثرا ببداية الركود الحالي، الشيء الذي يؤكد أنها أصبحت الشخص المريض الجديد في أوروبا، ويشير العديد من المتخصصين إلى استمرار هذا المنحى، سنة 2020.

 وهناك بوادر حدوث هزة مالية كبيرة أكثر خطورة من عام 2008، بسبب المستوى القياسي للديون المتراكمة منذ ذلك الحين، وضعف مناعة الدول حيال ذلك.


مؤشرات عامة حول الركود المحلي:


حسب تقرير بنك المغرب تراجعت نسبة النمو الاقتصادي من 4,2 % سنة 2017 إلى 3 % سنة 2018، كما تراجعت نسبة القيمة المضافة الفلاحية إلى 4 % سنة 2018 بدلا من 15,2 % سنة 2017. كما تراجعت نسبة نمو القطاعات غير الفلاحية إلى 2,6 % سنة 2018. وقد عرفت نسبة التضخم ارتفاعا ملحوظا سنة 2018 بنسبة 1,9 %، وهو ما يؤشر انطلاق انعكاسات السياسات الطبقية الكارثية المعتمدة خلال ولاية حكومتي بنكيران وسعد الدين العثماني.


على مستوى المالية العمومية تفاقم عجز الميزانية الذي بلغ 3,7 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي متجاوزا بفارق واسع هدف 3 % الذي حددته الميزانية العامة.

 ويمكن إضافة عجز المداخل الضريبية على تغطية حوالي 40 في المائة من نفقات الميزانية، وهو ما يختم اللجوء باستمرار إلى الاستدانة الداخلية والخارجية وتفاقم حجم المديونية التي بلغت حوالي 82 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. 

سجل العجز التجاري المزمن سنة 2018 نسبة 18,6 في المائة، كما بلغ عجز الحساب الجاري لميزان الأداء نسبة 5,5 % من الناتج الداخلي الإجمالي، كما انخفض صافي الاحتياطيات الدولية لبنك المغرب إلى خمسة أشهر و3 أيام فقط.

تشير مختلف المؤشرات المتدهورة للاقتصاد الرأسمالي المغربي إلى هشاشة هذا الاقتصاد وإمكانية استمرار هذه الهشاشة في الزمن، ومدى ضعفه في مواجهة أي أزمة اقتصادية ومالية دولية قد تداهمه، واحتمال لجوء الحكومات المتعاقبة إلى المزيد من اتخاذ إجراءات وتدابير لا شعبية قد تعصف بما تبقى من مكتسبات اجتماعية ومرافق عمومية.


ويبدو أن هذا الركود الجديد للاقتصاد الرأسمالي العالمي سيدفع البرجوازية المهيمنة محليا ودوليا والمكونة في غالبيتها من اليمين المتطرف إلى خوض هجمات جديدة على ظروف عيش وعمل الطبقة العاملة محليا ودوليا وتدمير مكتسباتها التاريخية من أجل نقل فوائض قيمة هائلة إلى خزائنها.

 وحتى وان لم تلجأ برجوازية مختلف البلدان في هذا الهجوم إلى نفس القوة والشدة، إلا أنها جميعها تتكيف بنفس الأسلوب مع ظروف المنافسة وواقع السوق المشبعة بالإنتاج الزائد. كما تضطر برجوازيات هذه الدول إلى إجراء تقليصا حادة في ميزانياتها من أجل توفير الأموال بأي ثمن وهو ما ينعكس بقوة على الخدمات الاجتماعية.

نماذج من التدابير التي تهاجم بها البرجوازية الطبقة العاملة:


على المستوى الدولي:


تعرف وضعية الطبقة العاملة في البلدان الصاعدة تدهورا متواصلا خاصة خلال فترة الأزمات.

 وقد عرفت هذه الوضعية في ظل الظروف الراهنة المزيد من التدهور. ففي الهند قامت شركات صناعة السيارات ومصنعي قطاع الغيار ووكلائهم بتسريح حوالي 350.000 عامل منذ شهر أبريل 2019. وفي الأرجنتين أغرقت أزمة البيزو والتضخم البلاد في أزمة شبيهة بأزمة 2001 المأساوية والتي عمقت بؤس البروليتاريا.

 أما في البرازيل فقد أجهز ما يسمى بإصلاح منظومة الشغل والتقاعد على مستوى الأجور ورواتب التقاعد مما عمق بؤس البروليتاريا.

 أما في تركيا فمنذ إطلاق خطة التقشف في أبريل 2019، شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعا صاروخيا قدر ب 32 في المائة، علما أن البروليتاريا هي الضحية الرئيسية لارتفاع الأسعار.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية أدت الحرب التجارية وارتفاع الرسوم الجمركية إلى قيام عدد من الشركات الصناعية في يوليوز 2019 بالإعلان عن تسريح 1.3053 عاملا في شهر واحد ليصبح مجموع عدد التسريحات سنة 2019 1430 عامل علما انه تم تسريح 798 عامل سنة 2018.


على الرغم من هذه الأمثلة عن التسريحات الجماعية للطبقة العاملة والتي يمكن تقديم المزيد عنها في كافة البلدان، إلا أن إحصائيات البطالة تقدم في كل وبشكل غريب أرقاما مستقرة، وهو ما يفضح كذب البرجوازية وفبركتها لأساليب تقييم إحصائية جديدة تخفي حقيقة الأوضاع الحقيقية للبروليتارية.

 وهذا بالإضافة إلى العدد المتزايد باستمرار للعاطلين عن العمل، والتي تخفف منها انتشار عدد من إشكال الشغل الهشة. 


ففي بريطانيا تم تعميم المرونة الفائقة في سوق الشغل، وانتشار عقود العمل الهشة التي لا تقدم أي ضمان من حيث وقت العمل وتدعى “بعقود ساعات الصفر”. وفي ألمانيا سمحت إصلاحات قطاع الشغل
Harz بتطوير وتوسيع عددا من “مناصب الشغل الصغيرة” بمبلغ 450 أورو شهريا.

 وفي العديد من البلدان الأخرى، مثل السويد، نمت بقوة العقود الثابتة منخفضة الأجر وذات الأجر الثابت. وفي هولندا تنمو عقود ساعات الصفر والمناصب الشغل الصغيرة بشكل سريع.


في كل مكان إذن، تأتي هذه التدابير التي تم الشروع في بعضها منذ عقد التسعينات، لكنها تزايدت بحدة منذ أزمة 2008، وتقدم ثمارها على شكل أرباح ضخمة للبرجوازية نتيجة الأزمة، وبدعوى محاربة انخفاض الأرباح، بينما هي في الواقع نهب مباشر من صميم شروط عيش البروليتاريا.


وتؤكد الإضرابات لعمال كافة القطاعات تقريبا منذ بداية هذه السنة إضافة إلى احتجاجات الصدريات الصفراء والتي اثر بعضها على بعض القطاعات مثل شركة أمازون في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية خلال شهر يوليوز أو في شركة طيران مختلفة من عدة بلدان كما هو الشأن في اسبانيا وإيطاليا، على عمق الهجوم البرجوازي على شروط عيش الطبقة العاملة ومن خلال الإغراق بالعقود محدودة الأجر.

ومقارنة بالسنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حينما ساد ما يسمى بدولة الرفاع، وجهت عناية فائقة لرعاية الطبقة العاملة اجتماعيا لتجنيدها في مسلسل إعادة الأعمار، فإن واقع اليوم المتسم بتضخم في الأيدي العاملة العاطلة تراجعت قيمة تكلفتها، وأصبحت التنافسية تتناقض مع دولة الرفاه والتغطية الاجتماعية وانتشار المرافق العمومية والتعليمية والصحية بالمجان. فأصبحت البرجوازية تلتجئ إلى مختلف المبررات لتدميرها. 


ومن التدابير التي لجأت إليها البرجوازية في كل مكان لنهب فائض القيمة الذي تنتجه الطبقة العاملة وتذخره من اجل تقاعدها، السعي البرجوازي الحثيث لتمديد الحياة العملية للقوى العاملة وتوجيه ضربات موجعة لمنظومات التقاعد، حيث ترفع سن الإحالة على التقاعد بشكل منهجي، وتدفع في نفس الوقت نحو تآكل رواتب التقاعد. ففي ألمانيا، من المقرر أن يرتفع سن التقاعد من 65,5 عامًا إلى 69 عامًا في عام 2027.

 
وفي الدنمارك، سيرتفع سن التقاعد من 65,5 عامًا إلى 67 عامًا هذا العام و68 عامًا سنة 2030.

 وفي بلدان الشمال الأوروبي، كما هو الحال في السويد والنرويج، فإن ما يسمى بالنظام “المرن” سيشجع على “المغادرة المتأخرة، وهذا هو الحال الذي ستقبل عليه فرنسا أيضا من خلال مشروع ماكرون حول التقاعد. وفي بريطانيا يشجع القانون على العمل حتى سن 70 عامًا. ومن الناحية العملية، تدفع معاشات التقاعد المنخفضة العمال الأكبر سنا إلى العمل أكثر وأكثر.

 
في الولايات المتحدة، لا يزال كبار السن الذين تزيد أعمارهم عن 80 عامًا يشتغلون. 

على المستوى المحلي:


منذ التدابير المعتمدة حكوميا عقب أزمة 2008 والتي أدت في ظرف سنة تقريبا إلى تسريح 50 ألف عاملة في قطاع النسيج بالإضافة إلى التسريحات الجماعية في قطاعات أخرى كصناعة الجلد والصناعات التقليدية وصناعة السيارات وفي قطاع السياحة خاصة الفنادق وفي قطاعي البناء والأشغال العمومية، لم تتوانى الحكومات المتعاقبة خاصة حكومتي العدالة والتنمية الاسلاموية في اعتماد التدابير البرجوازية الأكثر تطرفا، منها تجميد تشغيل الخريجين الجدد حتى أولئك الذين كانوا يتوفرون على محضر بتشغيلهم وعددهم 4 آلاف حامل دبلوم جامعي.


لقد جاءت حكومة البيجيدي بمخطط اعتماد تدابير برجوازية لا شعبية مملاة من طرف المؤسسات الامبريالية صندوق النقد الدولي والبنك عجزت عنها كافة الحكومات السابقة، مثل تدمير صندوق المقاصة واعتماد نظام المقايسة في قطاع المحروقات الذي يعني في الواقع تطبيق حقيقة الأسعار الدولية مع الزيادة في مختلف الضرائب على المنتجات والخدمات وتقليص الضرائب على رأس المال وإعفاء ناهبي المال العام من المساءلة عبر مقولة شهيرة لرئيس الحكومة عبد الإله بنكيران “عفا الله عما سلف” علما أن المبالغ المنهوبة والتي أكدها القضاء تصل إلى آلاف المليارات من الدراهم.


وعلى منوال البرجوازية في مختلف الدول قامت حكومة بنكيران برفع سن التقاعد إلى 63 سنة مع الزيادة في الاقتطاع من اجل التقاعد وتخفيض رواتب التقاعد ومعاقبة طالبي الإحالة المبكرة على التقاعد بتخويلهم رواتب تقاعد متدنية.

 لقد أثبتت حكومة الإسلام السياسي العدالة والتنمية في المغرب اتجاهها اليميني المتطرف وان لا علاقة لها بالتدين، نظرا لانفضاح أفعالها وغرقها في الفساد والفضائح الجنسية التي تدعي أنها جاءت لمحاربتها.


ومنذ تسع سنوات توالت افلاسات العديد من الشركات التي أقفلت أبوابها مسرحة عمالها بالعشرات، كما تقلصت الاعتماد المخصصة لقطاعي التعليم والصحة بحيث أصبح المغرب في مؤخرة الترتيب العالمي من حيث جودة التعليم والصحة.

 وليس خافيا أن ضرب التعليم والصحة العموميتين هو ضرب مباشر للطبقة العاملة المغربية ولأبنائها ولشروط عيشها.


والغريب في الأمر هو التواطؤ المكشوف لبيروقراطيات الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية سواء داخل الأغلبية الحكومية أو خارجها، مع المخططات الهجومية البرجوازية على شروط عيش البروليتاريا المغربية، فوظيفة هذه البيروقراطية أصبح يقتصر على تمرير حبة الأسبرين للطبقة العاملة لكي تبتلع الطعم وتقبل بمختلف تلك المخططات الهجومية، خاصة خلال الحملات الانتخابية. وقد أصبحت الطبقة العاملة المغربية على وعي تام بأن الوعود الانتخابية تبقة مجرد وعود وهمية وأن الغرض من الانتخابات هو تسلم سلطة الدولة لتطبيق أجندة الطبقة البرجوازية الحاكمة ومن ورائها الرأسمال المالي الدولي الذي يقتسم معها كعكعة استغلال الطبقة العاملة المغربية.

 
بالطبع، في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية الجديدة، هناك شيء واحد مؤكد، هي أن البروليتاريا في جميع أنحاء العالم سيتدهور وضعها بسرعة وأن المستقبل يمكن أن يكون أكثر ضراوة، ان لم تنظم هذه الطبقة نفسها وتشحذ أذاتها السياسية لمواجهة الحرب الطبقية المسلطة عليها بقوة وعرقلة مخططات تدميرها.

الحاجة للصراع الطبقي الحاسم:


في مواجهة هذا الهجوم البرجوازي العنيف ضد شروط عيش الطبقة العاملة التي تجد نفسها محاصرة بمختلف الأسلحة الديمقراطية البرجوازية بدأ بالانتخابات والأحزاب اليمينية واليسارية والإسلامية المتواطئة ثم المركزيات النقابية التي أصبحت بيروقراطياتها بمثابة شرطة إضافية لمراقبة تحركات الطبقة العاملة وإفشال تلك التحركات، تطرح التساؤلات حول أشكال المقاومة البروليتارية في ظل هذا الوضع المأزوم.


تتفاوت طبيعة البروليتاريا بحسب طبيعة البلدان التي تنتمي إليها وهل هي بلدان مفتوحة وشهدت تاريخا حافلا بالصراعات الطبقية مما جعل الطبقة العاملة تتوفر على تجارب تاريخية تساهم في نضج الوعي الطبقي لديها وفي قدرتها على بلورة أداتها السياسية الطبقية لشن الصراع الطبقي؟ أم هي بلدان مغلقة مغتربة سياسيا ودينيا يجعلها متخلفة عن اكتساب سريع للوعي الطبقي الضروري لشن الصراع من أجل التحرر ومقاومة الهجوم البرجوازي خلال الأزمات؟


إن ما يحدث حاليا في فرنسا من احتجاجات حركة السترات الصفراء حتى وان كانت حركة ما بين الطبقات وتساهم في اغتراب برجوازي صغير في أوساط الطبقة العاملة إلا أنها تبين بالملموس قوة الهجوم البرجوازي الفرنسي على شروط وظروف عيش الطبقة العاملة في فرنسا.

 ورغم المطالب البسيطة لحركة السترات الصفراء، إلا أنها ووجهت بعنف وحشي من قبل قوات القمع البرجوازية والتي سجلت وسطها وفيات وعاهات مستديمة. لكن هذا الصدام قد يدفع سيرورة الوعي الطبقي إلى الأمام خاصة وسط الطبقة العاملة لكي تتحول من طبقة لذاتها إلى طبقة من أجل ذاتها.
إن هذا التعبير الذي اقتبسه كارل ماركس عن هيغل الذي تحدث عن الكائن لذاته والكائن من أجل ذاته، يعني أن الإنسان عند ولادته يكون كائنا لذاته، مسير من قبل الواقع الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية التي يرتبط بها بدون أن يكون لديه خيار في تحديد ذاك الواقع وتلك العلاقات.

 لكن الإنسان في مرحلة متقدمة من عمره قد يكتسب وعيا أعلى بذاته تجعله أكثر قدرة على تحديد اختياراته للواقع الذي يعيشه وللعلاقات التي يرتبط بها فتكون بذلك ولادته الثانية أي يصبح كائنا من أجل ذاته.

الطبقة العاملة عند كارل ماركس تكون في البداية طبقة لذاتها دون أن تستوعب حقيقتها، وخلال مسارها في ظل الواقع والعلاقات المفروضة عليها من قبل الطبقة البرجوازية المهيمنة التي تستغلها، يحصل داخلها وعي بحقيقة كيانها والواقع والعلاقات المفروضة عليها، فيصحوا الوعي لديها لكي تتحول إلى طبقة من أجل ذاتها وتسعى تدريجيا الى تنظيم ذاتها وبلورة أداتها السياسية التي تشن من خلالها الصراع الطبقي للدفاع عن مصالحها الطبقية لقد قال ماركس للعمال:

“سيكون عليكم أن تجتازوا خمسة عشر عاماً، أو عشرين، أو خمسين عاماً من الحروب الأهلية والحروب بين الشعوب، لا لكي تغيروا فقط العلاقات القائمة، بل لكي تغيروا أنفسكم أنتم، ولكي تصبحوا أهلاً للسلطة السياسية”. (كارل ماركس: كشف الستار عن محاكمة الشيوعيين في كولونيا).
إن وضع الطبقة العاملة في ظل الظرفية الحالية حيث تتكاثر الخطوط السياسية المعادية لها سواء اليمينية او المدعية للاشتراكية والاسلاموية، تتعرض للكثير من الاغتراب تحت ضرباتهم ومحاولة الوصاية عليها لاستخدامها في مشاريعها البرجوازية الصغرى. الأداة السياسية للطبقة العاملة تتشكل من داخلها ولن تكون أبدا أداة مفروضة من خارجها، فتحرر الطبقة العاملة يكون من فعلها هي ذاتها، وسيرورة وعيها الطبقي يتم من خلال احتكاكها الميدان في خضم الصراع الطبقي المفروض عليها من طرف البرجوازية، فمن بين جميع الطبقات النقيضة للبرجوازية، تبقى البروليتاريا هي الطبقة الوحيدة الثورية حقا.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق