الأولىثقافة

دار الباشا

سجلماسة بريس

شهد المسرح الوطني محمد الخامس بمدينة الرباط يوم الخميس 09 يناير 2020، تقديم عرض مسرحية دار الباشا للفرقة المسرحية المراكشية  ” أرلكان ”  أمام جمهور عريض حج بكثافة لاستنشاق فرجة كوميدية مغربية ناجحة طرز نصها باحترافية عالية الكاتب والمخرج المسرحي عمر الجدلي، وتطرح المسرحية قضية من أهم القضايا التي يتعايش معها المجتمع المغربي والمجتمعات العربية والإسلامية بالرغم من ما تثيره من نقاشات حادة بين مختلف المنشغلين بقضايا الأسرة والمرأة من منظمات وهيئات وجمعيات مناصرة لحقوق المرأة. إنها مسألة تعدد الزوجات التي يتأرجح النقاش فيها بين الرأي الديني والفكر الحداثي التحرري.

وقد نجح الكاتب، إلى حد ما، في خلخلة الثابت في هذا الموضوع حيث نأى بنقاشه إلى طرح الموضوع من خلال استقراء مشاعر المرأة والرجل وفتح المجال أمام وابل الأسئلة المقلقة التي تتسلل رويدا رويدا إلى فكر ووجدان المتلقي الذي يجد نفسه متورطا في لعبة ماكرة تنسجها خيوطها ” دادة ” لتبحث، من دون جدوى، عن أجوبة ممكنة لسؤال حيرها لعقود من الزمن، وتجعلنا نعود معها لفترة شبابها لما أحبها زوجها وسعى من أجلها السعي الكبير، ولما وافقت على الزواج منه، لم تمض إلا خمسة أشهر ليتزوج عليها امرأة ثانية. تلكم هي عقدة هذا العمل المسرحي الذي يحكي عن ” الباشا جلول ” رجل السلطة والنفوذ المطلقين في زمن مغربي أواسط أربعينيات القرن الماضي.

يعيش الباشا جلول مع أمه ” دادة حادة ” المرأة المقعدة التي تتحكم في زمام الأمور، وزوجته ” حليمة ” البسيطة التي عاشت بلا طموح،ا باستثناء إرضاء زوجها. بعد ثلاثين سنة من زواج آمن وهادئ تدخل ” شهرزاد ” السكرتيرة الجديدة، حياة الباشا فتقلبها رأسا على عقب، لكن الأم بحنكتها وتجربتها تتصدى لقصة الحب المتأخرة وترفض زواج ابنها الباشا بامرأة ثانية إلا بشرط غريب تفرض من خلاله على الباشا أن يطلق زوجته الأولى و يدخل في عدة رجالية مدته خمسة أشهر تقوم خلالها بطمس كل ما كان يبدو له جميلا ومثيرا، فتجعل من شهرزاد امرأة تقليدية وربة بيت لاتقيم حسابا إلا لما تمليه الأم، بينما تجعل من زوجته حليمة امرأة عصرية تثير من جديد أحاسيس الباشا وتجعله يغرم بها وكأنها لم تكن في يوم من الأيام زوجة له. في هذه اللعبة التي تقلب الأم من خلالها الأدوار والمعايير، يتورط الباشا في تناقضات شتى تدخله دوامة السؤال الجوهري الذي شكل منطلق الأم الأول، ما الذي أثارني في شهرزاد ولم يعد؟ وما الذي كان ينقص حليمة لتشدني إليها بكل هذا العشق؟

قدم لنا المخرج عمر الجدلي هذا النص على خشبة المسرح، في قالب فرجوي ماتع سيطرت فيها كوميدا الموقف التي أدار رحاها بسلاسة مستثمرا إمكانيات الممثلين المجربين حيث تألق الفنان عبد الرحيم المنياري في تجسيد التناقض الذي يعتري شخصية الباشا والتي أضفى عليها مسحة مرحة وشكل حضوره القوي على الركح إضافة نوعية لهذا العمل، كما اكتشف الجمهور القدرات الفنية الكبيرة للمثلة بديعة الصنهاجي التي تألقت بشكلت ملفت في أداء دور حلمية، حيث جعلت هذه الشخصية تبدو شخصية خفيفة في انتقالها بين حليمة وأحلام، وفي قفشات المرأة البدوية المغلوبة على أمرها والتي تتحول بقدرة اللعب الدرامي إلى امرأة عصرية أنيقة من دون أن تتخلى على السمات الأصلية لحليمة. أما الفنانة نجوم الزهرة فرغم كون شخصية دادة شخصية مقعدة تتحرك على كرسي متحرك، إلا أنها نجحت في نقل مشاعر وسمات المرأة القوية التي صنعت منها الحياة قسوة وتجبرا غذاهما موقع السلطة التي تتبوأه كأم الباشا، في حين اضطلعت الممثلة نزهة عبروق بلعب دور شهرزاد الفتاة العصرية المتعلمة القادمة من العاصمة لتفتح أعين الباشا على حياة جديدة، ونجحت في أداء دورها المركب باحترافية علية.

تعد مسرحية دار الباشا فرجة مسرحية جديرة بالمشاهدة حيث تشدك، كمتلقي، عبر ساعة ونصف من الأحداث المثيرة والطريفة لتعيش تجربة رجل يريد أن ينفذ شرع الله بزواجه الثاني وامرأة تريد أن تفهم ما الذي يجعل زوجا يضرب بزواج، عمره ثلاثين سنة، عرض الحائط من أجل امرأة جديدة ما يفتأ يتخلى عنها من أجل الأولى.

ويذكر أن مسرحية ” دار الباشا ” أنجزت بإنتاج مشترك مع المسرح الوطني محمد الخامس، وتجول مسارح المملكة بدعم من المسرح نفسه ومن وزارة الثقافة والشباب والرياضة وبشراكة مع جهات أخرى، كما ستقوم بجولة دولية في شهري مارس وأبريل بكل من إيطاليا، فرنسا وبلجيكا.  

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق