الأولىثقافة

عيشة قنديشة بين الركح والمتخيل

إنجاز: د. الغزيوي بوعلي / فاس

في خضم التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها العالم العربي، وجد الأدباء أنفسهم مرغمين على إيجاد جنس أدبي يعيش طموحاتهم وتناقضات المجتمع، وكذا حياتهم اليومية، فوجدوا ضالتهم في المسرح، الذي يعد فضاء للتعبير الحر، وهو أقرب إلى المجتمع من أي خطاب آخر، والمسرحية مناط الدراسة  والتحليل للمؤلف والمخرج مولاي الحسين، فما هي إذا خصوصيات الكتابة المسرحية عنده. وإلى أي حد يمثل النص خاصيات هذه الكتابة المسرحية؟ فما دلالة عائشة قنديشة؟

فإذا اقتربنا من العنوان دلاليا، فإننا وجدناه أن اللحن الجديد يوحي بالأمل، والتغيير نحو الأفضل والأحسن، فهذا العنوان يعالج قضايا اجتماعية المتمثلة في شخصيتين، فهذه الفرضية المطروحة انطلاقا من العنوان، تقتضي منا طرح مجموعة من التساؤلات المرتبطة بتحليل وفهم هذا النص؟

– ما هي الأساليب الفنية والعضوية التي وظفها الكاتب؟

– وما هي الأحداث التي ستعالجها هذه المسرحية؟

فالإجابة عن هذه الإشكاليات تستدعي أولا قراءة المسرحية قراءة متأنية ومستكشفة لمضامينها.

لأن هذا النص المسرحي يعرض حوارا بين ذاكرتين يمكن رصده من خلال المحطات التالية.

إذا كان النقد التاريخي هو النقد الذي يحاول تغيير الظواهر الأدبية والمؤلفات. وشخصيات المسرحية يتطلب معرفة بالماضي السابق لهم، ومعرفة بالماضي الذي أثر فيهم، وتتلخص هذه السمات بالنسبة للمتن المدروس، في تقنية التوقيت الزمني للمراحل الأدبية الموضوعة بتجربة التحديث المسرحي، انطلاقا من مرحلة البحث والإحياء للنموذج التراثي، وانتهاءا بمرحلة التمسرح والتحديث والانفتاح عن المذاهب الغربية، وهي عملية محدودة في تاريخ المسرح. فهذا المسار القرائي المحدود كما ذكرنا لا يشكل الهدف التمسرحي المنشود. وإنما هو المدخل الذي يؤدي إلى تحديد دراسة الظاهرة الأدبية، وفهم آلياتها، وتحليل عناصرها قصد التعرف عن العنصر المسرحي الإبداعي، ويحيل هذا التكامل بين البعد التاريخي، والآخر الأدبي، جعل لايشون يؤكد على أننا نكون إزاء الروح العلمي الذي يؤكد على العنصر التأثري، وأن المتفرج المتبع هو الذي يدفعنا إلى تأكيد هذا الإحساس بقوة النص المدروس وجمالية الفنية والتكوينية المسرحية. ويتجلى هذا المنحى بالنسبة للمؤلف في عملية النظر إلى المسرحية المشكلة لسيرورة التحديث، انطلاقا من إحياء النموذج ومعرفة الانفتاح المغربي العربي، ومرحلة تأصيل النموذج التراثي الممسرح الذي يعيد للذاكرة المغربية أن تتمسرح برؤية جديدة قصد إزالة الخرافة على عقول المتفرجين.

وقد تنازل المخرج في هذا الإطار نماذج النثرية التي تعكس الظاهرة، وقام بعرضها وقراءتها لكل من الممثلين المتنوعين والمختلفين وقد اتجهت القراءات إلى توظيف تيمة الموت والحياة كما يعكسها الفكر الميلالي الثوري، حيث يجري الاعتقاد بأن الثورة في المسرح هي تتمة الرؤية الموضوعية للواقع الاجتماعي، وتوكيد لقيم الحرية والمساواة.

وإعلان إنسانية الإنسان وإشراك الإنسان بكل طاقاته في تغيير العالم وليس ترديد ما تقوله الخرافات.

المنظور الوجودي:

إن المخرج في هذا المتن النص الدرامي ينزع نحو الفكر الوجودي المرتبط بالإنسان في علاقته بالكون وبالمجتمع، وقد استهل منه الممثلون مجموع من التيمات الوجودية لتلق الاغتراب ولتأطير المنحى الاجتماعي للتجربة الحديثة والكشف عن العائق والصدقة النفسية الكفيلة بدفع المسار.

فالمخرج في هذا المجال عمل على إحضار البعد الالزامي بالقضايا الاجتماعية (كالمدينة) الطبقية الإنسانية. وفي ظل هذا الطرح يبرز لنا العرض المسرحي الصراع بين الذاكرة والعالم الخارجي عبر الأزمنة والوجود، أما النبوءة فتطابقها هو المستقبل.

وهذان البعدان يستلهمان معاني تشكيل منظور الإبداع الموصول بتوظيف الرمز الأسطوري، ليتقاطع البعدان في هذا المسار النقدي من خلال الجدل الذي يربط الشكل والمضمون في تجربة هذه الفرقة الدمناتية ويصف المؤلف مولاي الحسين تجربة الحياة والموت باستشراف رؤية إخراجية للمستقبل الذي تجد المعنى التجديد التاريخي للذاكرة والانبعاث، ثم نراه يربط هذه التجربة بسجل الأساطير المعتمدة من طرف الممثلين ويرى أيضا أن المسرحية كلها تدور حول أسطورة عائشة قنديشة بمعاني التجدد التي استقرت في أعماقنا مع ما استقر من رواسي الثقافة، والتراث الحضاري. وأن الممثل عليه أن يحيى في نفسه من أنقاض اليأس الذي واجهه أثناء الاستعمار البرتغالي المتمثل في الخرافات والأساطير التي تحتفظ بها الذاكرة الموشومة. حيث تتجلى مواقف متنوعة على رأسها الغربة أو الاغتراب الداخلي في المجتمع ولذا هناك الثورة على المجتمع، وهناك التأقلم بالمناخ الاجتماعي، وهناك أيضا العزلة الكلية عن المجتمع، فجل هذا المواقف وعلى رأسها، الثورة على المجتمع وحيتياته من أجل الانسجام مع المجتمع ككيان.

المنهج الأسطوري:

الأسطورة منهج ضمن المناهج النقدية، كالبعد النفسي، والاجتماعي، ويميل أغلب النقاد إلى ربطها بالاواعي اجتماعي. فهي مركز لجوهر الحياة وللصيرورة الاجتماعية في صورها الكونية الأولى. لأن الأدب رؤيا، وخرق، وتجاوز لمنطق اللحظة، وارتحال عبر اللاواعي الجمعي وإلى المجاهل والخفايا. والأسطورة لها مظهران أساسيين دلالاتهما الحكمة والنبوءة، لأن الحكمة هي تراكم التجارب الإنسانية.

وتعد هذه المسرحية واحدة من بين النواذر في كتب النقدية الحديثة التي تعكس التعدد المنهجي والمرجعي في تأسيس المنظور النقدي، فهي تحيل على هذه المقولة النقدية التي تحيط بالظاهرة الإبداعية، حيث يوازن بين النسق المنهجي والقواعد الانطباعية الموسومة بحساسية الميزة، والممارسة في تشكيل حس فني لبناء رؤية للعالم، لأن المنظور النقدي أو وجهة النظر النقدية التمسرحية كما يسميها، تتوسل بالمنطق الصوري. الموصول بفرضيات منهجية معيشة، أما وجهة النظر الإبداعي فتتوسم بالمنطق البرهاني المقرون بالنظرة الحسية إلى الكون والحياة، وقد حددنا في بناء هذه الأنساق النقدية، امتدادها الاستعماري والبنائي عبر قراءات متعددة لهذه المسرحية المرتبطة بنسق لذاته في علاقته مع محيط (مدخل إلى الفكر المركب) وقراءة مغلقة تعتمد الاختزال والتحليل والسببية الخطة.

قراءة النسق السوسيوتاريخي:

إذا كان المسرح تعبير عن الواقع حيث نعبر بولائه، فإن المخرج استقدم عدة حجج وبراهين قصد تكسير أفق انتظار المتفرج. إذن ما الحجاج؟

ثانيا: تعريف الحجاج في المسرحية:

يشكل الحجاج دعامة اعتبارية لمواقف واقتراحات المرسل (المنشط أو المشار) في سياق وضعيات تواصلية، في إطار حلقات التدريس أو التكوين، بهدف إحداث التأثير والإقناع لدى المتلقي. سواء كان فردا أو جماعة. فالحجاج قصير ومنظم تعرض أفكار وحلول مدعمة بحجم وفق تصميم محكم وخطة مضبوطة، فهو أكثر إقحاما من الإطالة في الكلام الذي قد يخلق في الغالب ملل وثرثرة.

إن الحجاج كمهارة تواصلية يقتضي من الشخص (المنشط أو المشارك / الاستجابة لثلاث مستويات يمكن على إثرها تصنيف الحجج الموظفة.

1) مفعول المنطق: Effet de Logique

إن تأثير المنطق، يجعل المنشط أو المشارك يختار الحجج ذات الطبيعة العقلية والمنطقية كمنطق السببية (أي ربط الموضوع بأسبابه) أو الاستقراء (الانطلاق في عرض الأفكار المماثلة (الاستعانة بأفكار وضعيات مماثلة) أو بالتعاكس (البحث عن أفكار وضعيات معاكسة).

2) مفعول التاكتيك: Effet de tactique

إن تأثير التاكتيك يدفع المنشط إلى إظهار الثقة بالنفس وعدم التردد. وإظهار التواضع والتركيز على الحجج انطلاقا من مرجعيات مشتركة لدى المتلقي (دينية، حقوقية، أخلاقية أو سياسية أو إديولوجية …)

3) مفعول الانفعال: Effet de l’émotion

إن رغبة المنشط أو المشارك في التقرب من محاوريه يدفع إلى التركيز على الحجج ذات الأبعاد العلائقية والنفسية – العاطفية، إما بمرجعية إلى القيم الكونية أو الإنسانية (العدالة) (الحق، العقل … ……..) أو المرتبطة بالجماعة (الخصوصيات الدينية والثقافية والجغرافية).

ثالثا: دراسة لنظرية الحجاج: ما المقصود بها في المسرحية

نظرية الحجاج مبحث يختص بدراسة الفعالية للحجاجية (أو الحجاج) وهي فعالية لغوية اجتماعية وعقلانية غايتها إقناع المعترض العاقل بمقبولية رأي من الآراء، وذلك عبر تقديم جملة من القضايا المثبتة أو النافية لما ورد في هذا الرأي من قضايا. ويتميز مبحث الحجاج بكثرة الحقول المعرفية التي تتناوله، كالفلسفة والمنطق واللسانيات ونظرية التواصل والقانون، وحديثا امتد الأمر إلى علم النفس وعلم الاجتماع وتخصصات أخرى كثيرة.

استراتيجية بناء النص الحجاجي في مسرحية عيشة قنديشة

تعتبر البرهنة منطلقا استراتيجيا في بناء النص الحجاجي وهي إن كانت لا تخلو من الذاتية فإنها توظف عمليات عقلية ينتقل بها الفكر من قضية إلى أخرى، وتتجلى في الاستقراء، وهي عملية ينتقل فيها الفكر من التخصيص إلى التعميم وإلى استنباط ما هو كلي والقياس هو عملية ينتقل بها الفكر من التخصيص أي إخراج الجزئي مما هو كلي والاستدلال الجدلي وهو حركة فكرية تنتقل من الأطروحة إلى نقيضها ثم إلى نقيض النقيض، الاستدلال البيني وهو حركة فكرية تقوم على ربط الأسباب بالمسببات. فالمسرحية هي تناقض بين الذاكرة والتاريخ وبين المؤدلج والمنسي، والمختفي والمكتوب.

الأنماط الحجاجية

تحدد في نمطين: المحاورة الجدلية (المناظرة) والمحاورة الخطابية (الخطابة) الخطابة: خطاب حجاجي مداره قول الإقناع في مجال المحتمل والمسائل الخلافية القابلة للنقاش وأهم أسسها:

أ) المقدمة وتتجلى أهميتها في جعل القارئ أو السامع متنبها متقبلا ما يقوله المثل.

ب) السرد (الحكي) وفيه تقدم الواقع إلى القارئ أو المستمع تقديما مركزا واضحا.

ج) الحجاج تبرير يتميز بالموضوعية والانفعال تبعا للتأثير الذي يرغب الممثل في إحداثه.

د) النهاية تضم ملخصا موجزا للبرهنة المقدمة من طرف شخصية عيشة.

آليات الحجاج في العرض المسرحي

1) الإخبار: من الخبر وهو ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب وهو لفظ يدل على علم في نفس المخبر وحسب درجته في المنطوق من طرف السيد.

2) التفسير: يحتاج الموضوع الذي يطرح إشكالية أو قضية كما هو الشأن في المناظرة في إنجازه إلى أساليب للتفسير تساهم في توضيح أبعاده ودلالته وتجعل المتكلم قادرا على الشرح والتوضيح لخصمه أو من يناظره لغرض الإقناع، وأهم أساليبه التعريف، الوصف، المقارنة والسرد.

3) الإقناع: بواسطته تستخدم حجج وبراهين للدلالة على صحة الموقف الذي يدافع عنه المتناظرون والخطيب اعتمادا على أدلة ملموسة من الشواهد أو أدلة تعتمد على مبادئ منطقية، والإقناع لأن هذه ضوابط بدونه لا يحصل التسليم بالرأي، ومن وسائل الإقناع وسائل لغوية ووسائل منطقية دلالية.

الوسائل المنطقية الدلالية أهم عناصرها القياس المنطقي الذي يعتبر بنية أساسية في الحجاج ووظيفة الانتقال مما هو مسلم إلى ما هو مشكل. وكذلك أن عناصره حجج واقعية والوسائل اللغوية التي من أهمها التوكيد والشرط والنفي والتكرار اللفظي والمعنوي والتوازن الصوتي.

والمخرج إذن غاير المؤلوف عارضا براعته التمسرحية برؤية أسطورية التي تتساوق مع شروط المتخيل الشعبي، لأن العرض المسرحي هو دعوة لمحاكمته التاريخ المغلوط الذي لا يستخدم العقل النقدي، بل يعتمد على الثقافة الشعبية المرتبطة بالسجع والإسغاء، إذن فالمسرحية هي تعرية للمكتوب المؤسساتي وحضور للذاكرة الفعلية.

إذن فكتابة العرض هي منطقة الإبداع وتمرد على اللغة والذاكرة والمدونة، إنها ممارسة جدلية تتجاوز اللغة لتمارس الحرية لأنها ترتبط بإقناع الممثل وجسده، فهي موضوع الشعرية المسرحية لأنها تظهر لنا هذه الشخصية المدمرة كما يقول (شار مورو) في كتابه التيمات فالحرية الممارسة من طرف الممثلين هي اعتراف بالآخر الجماعي وبالفرضانية أيضا، وعلى هذا الأساس هي تلاقي بالتاريخ والذاكرة والإنسان، فهو وعي بالمجتمع الذي حدث في الزمن، فالتاريخ نمط من الجدل، أما الكتابة الركحية هي تركيب بين الضرورة الاجتماعية والحقيقة الفردية لذا تجعلنا المسرحية أمام صعوبة قراءة الجسد من وجهة نظر برانية واحدة، أو داخل جنس معرفي وحيد ووحيد، لأن الجسد يتجاوز كل تخصص إلى ما هو مجرد، منتهيا إلى ما هو حسي وحدسي، وبرهاني، لأن كينونة ذات طبيعة متنوعة ومختلفة، ومتعالية، وبهذا جاز حضوريا أن نعرفه من زوايا مختلفة، إلا أنه سيظل ينفلت من كل تعريف.

تعريف الجسد في العرض المسرحي

الجسد لغة منحدر من الجذر اللاتيني (Corpus) في مقابل الروح، والعقل، وهو مركز للعواطف والإحساسات، والهلوسات والإدراكات، ويطلق الجسد على كل الجسيميات السماوية(1) أما عند ابن منذور في كتابه “لسان العرب”، فيعرف الجسد بأنه عبارة عن جسم إنسان، ولا يقال لغيره من الأجسام الأخرى، ويقول تعالى (فاخرج لهم عجلا جسدا له خوار) ويرى ابن سحق في هذه الآية الكريمة، أن الجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز، إنما معنى الجسد معنى الجنة فقط، والجنة هي القعود، والجلوس وعدم الحركة(2)، فالجسد عبارة عن شيء مادي وكمعطى محسوس وملموس، فهو له أعضاء ووظائف ترتبط فيما بينها لتشكل عضوا واحد، ولكن هذا الجسد لابد له من روح وغذاء، وتنفس وتمتع، وغيرها من الأعضاء والوظائف، وترى البيولوجيا أن هذا الجسد يتكون من 206 عضمات متمفصلة فيا بينها وتتعلق بها عضلات تمنح هذا الكائن الإحيائي شكله وحجمه، وصورته(3)، وهذا التصور يجعلنا ندرك أن ماهية الجسد لا تتحدد إلا بارتباطها بخصائص كليانية، التي تجعل الإنسان يتميز عن الكائنات الأخرى بواسطة العقل، لأن المحرك الأول، والقائد الجوهري، وقد قال تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” وقال تعالى (الصم والبكم للذين لا يعقلون)، فالجسد إذن هو الملكة المادية، والمعرفية، التي تجعله يحتل مكانة ميكانيكية وكيميائية. وقانونا ينبثق من الكروموزومات الكامنة في السائل المنوي والبويضة، مشكلا مشروع هذا الجسد، لذا يلعب الجيتوم دورا أساسيا في تحديد نوعية هذا الجسد (الشخصية) وأصلها، وتطورها، وطبيعتها، وهذا لا يتأتى إلا بواسطة العلوم المساعدة كالسيكولوجيا والطب، والانتربولوجيا وغيرها من العلوم، لذا أصبح الجسد الممسرح موضوعا صاغيا داخل العمليات الطبية، والعيادية، لأن التصميم الجسماني لا يقف عند حد نموذج لتركيب مبسط للجسدية، ولكن يمتد في علاقته مع العالم إلى مظاهر الحسية والحركية، والمكان الذي يحيط بالإنسان، والجسدية متحددة اتحادا قويا كذلك بالزمان(4) فالجسد يتحول تبعا لسنة التوظيف وقانون الممارسة التركيبية وهذا يدل على أن رولان بارت أكد أن هناك وجود عدة لأجساد”(5) فالجسد يعرف تنوعا في سماته وطبيعته فهناك الجسد المقدس، والجمالي، والفرجوي الذي طرحته المسرحية سواء في بعده الايروتيكي، أو الرمزي أو الأسطوري.

الجسد والفلسفة الركحية

إن الجسد أثار العديد من النقاشات بين الباحثين قدماء ومحدثين، لأنه اتخذ تعريفات متعددة حسب الاتجاه الذي يمثله الباحث، والمدرسة التي ينتمي إليها، فهذا الجسد كما قلت عرف تنوعا عند الشعوب القديمة منها الهندية، والرومانية، والتيموزغا (البربرية)، والبابلية، والمصرية، فهناك من قدسه، وهناك من ألعنه، وعبر هذه الثنائية نرى أن هذا الجسد لا يستقيم إلا بواسطة عناصر أخرى في المسرحية كالعقل، والروح ويقول نيتشه في هذا الصدد “إن الكنيسة تحارب الهوى ببتره، فممارسته ومعالجته هي الأخطاء، وهي لا تتساءل أبدا كيف نعطي طابعا روحانيا على الرغبة نجهلها ونقدسها، بأنها ألحت دوما على اقتلاع الحساسية والكرامة الذاتية، وهوى السيطرة، وهوى التملك، والانتقام للنفس … إن ممارسات الكنيسة مضادة للحياة”(6) فالمسرحية أخضعت هذا الجسد للمراقبة والعقاب كما يرى فوكو في كتابه “إرادة المعرفة”، لأن هذا الإقصاء يتجلى حضوره في العائلة المرتبطة بالعشيرة، والقبيلة، حيث أن هذه الهيمنة السلطوية هي إلغاء للطبيعة المغايرة الأنثى، وإذكاء ممارسة ذكورية كعقل وروح، وهذا الفعل الشيطاني ليس بريئا، بل محملا بوحل جبل عليه من خلال العادة والأصل، والقرابة، وهذه المنظومة المرتبطة بالأفكار والنزعة الفردانية كبحث غرائز الأنثى وجعلها ترزح تحت رحمة “الذكر” كفريضة أزلية دون تأويل ظاهر لهذا الصراع بكل خلفياته وأبعاده التاريخية والإنسانية. ويرى فرانسوا شيباز “أن الإنسان يعيش تاريخه، وأيضا ذلك الخاص بتجربته الجسدية، إنه يعيش جسده تاريخيا”(7). فالمسرحية ثورت الجسد من خلال الممثلين، ومن خلال اللغة الدرامية، وأيضا من خلال لعبة القناع، والجسد.

فالممثل يبدأ بتشكيل تجربته الوجودية من خلال العرض، لتصبح تجربة منفصلة عن سلوك اللاعب، وتتحول هذه التجربة إلى وسيط له قواعده الخاصة، يجعل عملية التلقي مريحة وصالحة، كما يقول نصر حامد أبو زيد(8) إذن نحن أمام خبرة إخراجية واقعية تتمظهر في مسرحياته، لها اكتمالها الحقيقي والإنساني وأصبحت فنا عبر التحول الدرامي الذي لا يقاس بالمعايير الخارجية، بل يرفض المخرج المقارنة المتهادنة مع الواقع وينفي المعنى الأصلي لتظهر لنا على خشبة المسرح كمرحلة التعالي وكسمو انطولوجي، وكمتعة التي يحسها الجمهور هي  متعة المعرفة”(9) فالتحول الذي ناد به المخرج هو العودة إلى حقيقتنا، وتحريرنا من ما هو متحجب، لأن المسرح فضاء لبناء الحقيقة والكشف عن وجودنا اليوم دون أن ننتبه إليه(10) فإرساء الحقيقة هو تأويل فعل التعبير، واستثمار المحتمل ليكسبه وجوده البعيد عن العرض، والسطحي، والقريب إلى العمل المسرحي كما نواجه الإلهي في الطقس الديني”(11) فالمخرج يعتبر أن العملية التمسرحية هي كيان مستقل ومنفصل عن النص الدرامي، ومتميز عن طريقة تمثيله من طرف المؤلف، ولا يلغي الممثل في هذا التجسيد الدرامي، ولا يظل منغلقا عن ذاته وفي ذاته، بل ينفصل عن التشكيل الطبيعي، ليكون هو هو بلحمه ودمه، وهو الذي يفسر العمل الدرامي ويظهر فيه(12) وهذه التقنية المرتبطة بالحرية تسمح لنا بالتأويل أو التفسير بكيفية منسجمة مع المعنى المؤول في أسلوب إخراج المسرحية، ومهارات الأداءات الفردية(13).

فالمخرج في تمثلاته للجمال لا يتعارض مع ما ذكرناه من ذي قبل، فهو ينظر إلى العملية التمسرحية بوصفها أصلا تاريخيا، ومعرفيا وإدراكا وتواصلا، حيث يتخذ هذا الوعي الجمالي وحدته وهويته من خلال الإحالة إلى زمكانيته الأساسية وهذه الزمنية الجمالية ليست لحظة عابرة للواعي، والبصير … والمثقف والبدائي، بل هي إحساس وحوار، وبداء ورغبة في بناء التسامي الجمالي الذي يتحقق إلا في راهنيته، لأن المشاهد كما يقول غادامير يظل منتميا إلى اللعب رغم المسافة بينه وبين اللعب”(14).

وبناءا على هذا، فإن المخرج يشير إلى التجربة الجمالية كظاهرة درامية وحقيقية تتطلب منا التفسير والفهم لتجاوز الاغتراب الجمالي الذي يقصي اليومي، ودوره التاريخي، ويقترب إلى مقصدية العمل الدرامي، وليعبر عن تاريخنا الخاص، فالوعي الدرامي الجمالي ينطوي على قوانينه الخاصة المتمثلة في (نكران الذات، المتعة – الحقيقة – الجسد اللغة – الإنارة – الموسيقى – الماكياج – الممثل – أما العرض يضع الفهم أمام مشكلة خاصة – التحول – والشكل الذي انتفض ضد إشكالية الكتابة الوصفية عارضا مشكلة التأويلية المرتبطة بالبعد النفسي.

فالكتابة هي تحول إلى كلام ومعنى وأصبح مغتربا عندما أصبح مكتوبا واتخذ لغة الحركة ونغمة الصوت التي هي عوامل دائمة للفهم المباشر والتأويل (التراث) وعندما نفككه ننزع فيه الروح، لربطه بالماضي والحاضر وليكون معنا في علاقته بالعالم.

إن العرض المسرحي حقيقة تاريخية، يتوجه إلى مشاهد زماني، يحيا في إطار تاريخي، مختلف تماما عن تاريخية النص، مما يفضي بنا إلى إمكانية وجود تأويلات متعددة للنص، بناء على تغير الأفق المنهجي الخاص بالمؤول، فهم معنى النص(15).

وقد تم مسرحة عيشة قنديشة لفرقة أطلس دمنات للفنون من طرف الممثلين:

بلفتحي عبد المغيث، والحسين أيت الهندي، وسلمى الهندي، ومحمد التادوسي، وعبد الرحمن ذو الفقار، وعمر أومسري، ورضى الإدريسي، وإلهام وهاب، وعبد زيكير، وقد عملوا على إعادة النظر في الذاكرة من أجل تصحيح المسار التاريخي، لأن المسرح هو تأريخ للذات المتشظية، وكفاح ضد الماضي لبناء رؤية تاريخية غير مؤسلبة، كما يقول فوكو.

سجلماسة بريس

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق الطبع و النشر محفوظة لجريدة Sijilmassapress.ma
إغلاق
إغلاق