الرأي

عـيـد الأضــحــى بـيـن الأمـس والــيــوم

بقلم: عمر دغوغي الإدريسي

ماذا فعلت العولمة بكل عاداتنا وتقاليدنا التي توشك على التلاشي والانقراض، ففي زحمة هذه التغيرات المفروضة من خلال التواصل الاجتماعي والتركيبة الجديدة في مجتمعنا الحديث فقدنا كثيرا من العادات والتقاليد، بل معظم أشكال الموروثات القديمة، ومنها الألعاب الشعبية الفردية والجماعية والقديمة التي يحتفل بها الكبار والصغار من الجنسين والتي تقام في مناسبات عدة منها الاحتفال بيوم الوقوف بعرفة (الحية بية) وبقدوم الأعياد الدينية مثل عيد الأضحى المبارك، إنه شيء محزن فلا يوجد أحد مهتم ولا أحد مستعد لأن يستوحي ذلك الكنز من التراث، بل تركناه جانبا من دون تضميد فضمته الأرض ودفن في باطنها مع أصحابها، فرحلت العادات والتقاليد من دون أن يعلم أصحابها أنها ستنتهي من بعدهم، وهكذا اليوم رأينا كم تتطلب الأمور في إحيائها من تحر وتنقيب ووقت حتى نعرضها في نشاطات المدارس أو المناسبات أو المهرجانات الدعائية، ورغم هذا الجهد والمال لم تعد كما كانت تتداول تلقائيا وعفويا بين الكبار والشباب والأطفال في ذلك الزمن الجميل، ويا حسرة على زمن ولى.
لقد أصبحت هناك خصومة فكرية بين الجيل الجديد والجيل القديم وأتحدث هنا عن عيد الأضحى بين الأمس واليوم لأتحسس أن هناك معركة قد بدأت تتفاقم بين الماضي والحاضر، فكلما اجتاز مجتمعنا مرحلة من مراحل تطوره الحضاري أصبحت هناك تيارات معاكسة تتجمع لإخماد الحماسة الرائعة للموروثات التراثية، حتى وقفت وجها لوجه أمامها فمثلا استطاعت أن تكتسحها من طريقها وتجرد المجتمع من مواصلة عاداته وتقاليده. ومع هذا التسلط اللاشعوري من جانب واحد أصبحنا وسيلة لمعركة طويلة بين القديم والجديد وفقدنا كثيرا حتى وصلنا إلى نهاية طريق مسدود، اليوم لا نرى الأطفال أمام الأبواب يتباهون بثيابهم الجديدة ويعيدون ويحتفلون في مجموعات بأيام العيد.
عيد اليوم كل شيء فيه يتحرك بالآلة والكمبيوتر والإنترنت  كما يقولون ،فقد تحول عيد اليوم إلى مجرد مناسبة عابرة بيزنطية يثير الرثاء والحيرة في عالم القرن الحادي والعشرين، فأصبحت هناك قيود وازدحام أمام الأطفال، فأصبح عيد اليوم مهزوزا بين هذا الطفل وذاك ومنبرا للبذخ واللهو والنفاق والرياء والتفسخ الأخلاقي بين الجانب الآخر، وأخذ القائمون عليه والمحتفلون به يهتمون بجوانب إعلامية ودعائية من برامج تبثها الآلة المرئية من فضائيات وإنترنت تصاحبها السلوكيات الفاسدة والقيم الرخيصة التي تستخدم الأجساد التي زينها الشيطان، حتى المعايدة أو تحية العيد بين الأهل والأقارب والأحبة الذين يعيشون في بيت واحد أو في منطقة واحدة يرسلون تحياتهم بمناسبة العيد على خطوط الإنترنت والتواصل الاجتماعي، وهكذا بالتدريج بدأ عيد اليوم يتلاشى وحطم كل شيء جميل ورائع مع هذا الزيف والانفصام السيكولوجي الذي غزته العولمة الجديدة.
عيد الأمس ما أحلاه وما أجمله في عاداته وتقاليده وأناسه؛ فهو فرحة كبيرة يحمل معه كثيرا من الغبطة والسرور فتكثر فيه الزيارات ويعم التعاون والترابط والتكاتف وزيارة الأهل والأقارب والأصدقاء والمرضى، وله عديد من الخصوصيات الروحانية والأصالة والعلاقات الاجتماعية الأخرى.
عند موعد العيد بأيام يتسارع الأغنياء وحتى أهل العفة والمقدرة في استقبال عيد الأضحى المبارك بإعداد وتجهيز وتمويل الأسرة بالمستلزمات الضرورية من أكل وشرب وشراء الملابس الجديدة المفصلة وشراء خروف العيد وإعداد الطعام للضيوف وتفتح المجالس للناس، ففي اليوم الأول من العيد يتجه الناس إلى المساجد لأداء صلاة العيد، وبعدها تحية العيد بين المصلين ، ثم يعودون إلى منازلهم للسلام على الزوجة والأولاد، وبكل احترام يقوم الأولاد من بنات وبنين بتقبيل جبين الأم والأب، ثم يخرج الأب للسلام على الأهل والأقارب والأصدقاء ويتبعهم الأطفال والشباب، ثم يتجمع الأطفال في الفريج في زرافات ويطوفون ببيوت الحي للسلام والحصول على العيدية، وهو مبلغ صغير من المال وهكذا حتى قبل صلاة الظهر ثم يتم الاحتفال بوليمة العيد التي خصصت لهذه المناسبة الدينية، وفي المساء يبدأ الأطفال بالتفاخر بملابسهم الجديدة وبعد صلاة المغرب وفي جنح الظلام يبدأ الأطفال في جانب والشباب في جانب آخر بلعب حتى آخر الليل ثم ينامون استعدادا لليوم الثاني، وفيه يتفق الشباب على الذهاب إلى السينما، وذلك بالمال الذي جمعوه من عيدية اليوم الأول وهكذا في اليوم الثالث بصحيح العبارة، جيل عيد اليوم أخذ القشور التي تعنيه ورمى بالجوهر في غابت النسيان، وهكذا ساعدهم هذا الجيل الجديد في هدم ما تبقى من العادات والتقاليد بحجة التقدم والتطور، حتى استولت قوى العولمة المستوردة على الساحة الوطنية الشعبية أيضا بحجة أن القديم لا ينبغي أن يورث؛ لأنه يناقض الظروف الجديدة فأساءوا واعتدوا على الموروثات القديمة لأنها في نظرهم وقواميسهم هي آثار رجعية لا تتماشى مع العصر والجيل الجديد وليسوا اليوم بحاجة مطلقا إلى أن تدرج هذه العادات القديمة ضمن البرنامج الجديد للديمقراطية الفكرية؛ لأن النظرية الجديدة جاءت انفلاتا لرؤية تقدمية في تفسير مناهج السلوك والعلاقات الاجتماعية بحسب فلسفتهم في تغيير خارطة عادات اجتماعية، على أن يكون الجديد المستورد استسلاما لأكثر العناصر الشبابية الجديدة وأسرع قدرة على التغير وتوجيه المجتمع إلى طريق التقدم والتطور، فخلوا بشبه تام من البرامج التعليمية والتثقيفية والأكاديمية لأن الخصومة بين الجديد والقديم معركة صنعها التغيير والمستعمرون إن لم يكون استعمارا للأرض فهو اليوم استعمار فكري تطاول على العادات والتقاليد، لذا منيت الموروثات الشعبية القديمة بالإجهاض والانقطاع ومن ثم بالهزيمة. ولكن أين هذا الجيل من ذلك المجد، فالماضي وضع الحضارات والقيم والأصالة والعادات والتقاليد الحميدة والنفوس الطيبة واليوم لم يبق إلا الإطلال كلما أراد الإنسان الهروب من الحاضر المزيف المكهرب والذي توجهه الآلة اتجه باستحياء لإحياء ذكريات الماضي العتيد وتذكر في مناسباته وأيامه وأعياده ورجالاته ذلك الموروث الغائب من أحلى العادات والتقاليد وخاصة في الأعياد الدينية.
لم يبق لنا إلا أن نتمنى أن يكون عيد الأضحى المبارك عيدا للجميع وأن يوحد الأمة العربية والإسلامية ويحرر القدس الشريف وأن يعم السلام والأمن والاستقرار على الأمة العربية والإسلامية وندعو الله سبحانه أن ينعم على بلادنا بالعزة والكرامة والأمن والخير وأن يحفظنا.
وكل عام وأنتم بخير

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق